صالح داهي :العيون
تندرج المبادرات الإنسانية التي تعرفها بعض المؤسسات السجنية بالمغرب ضمن سياق أوسع يتصل باحترام حقوق الإنسان والوفاء بالالتزامات الدولية ذات الصلة بتدبير أوضاع الأشخاص المحرومين من الحرية. وفي هذا الإطار، تشكل واقعة تمكين أحد السجناء بمدينة العيون من زيارة والدته التي ترقد بقسم العناية المركزة نموذجًا دالًا على هذا التحول التدريجي في فلسفة السياسة السجنية الوطنية.
تنص المعايير الدولية، وعلى رأسها القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديل)، على ضرورة احترام الكرامة المتأصلة في جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، وضمان معاملتهم بإنسانية، مع الحفاظ على روابطهم الأسرية والاجتماعية. كما تؤكد هذه القواعد أن الغاية من العقوبة السالبة للحرية لا ينبغي أن تقتصر على الردع، بل يتعين أن تشمل الإصلاح وإعادة الإدماج.
وفي هذا السياق، تكتسي المبادرات التي تراعي الحالات الإنسانية الاستثنائية أهمية خاصة، لأنها تعكس ترجمة عملية لهذه المعايير، من خلال إتاحة التواصل الأسري في الظروف الحرجة، باعتباره حقًا إنسانيًا لا يسقط بمجرد فقدان الحرية، بل يخضع لتنظيم قانوني يضمن التوازن بين الحقوق الفردية ومتطلبات الأمن العام.
كما ينسجم هذا التوجه مع مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يشدد على معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم، ويؤكد على دور الدولة في توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية هذه الحقوق.
ومن منظور وطني، يعكس هذا النوع من المبادرات انسجام السياسة السجنية المغربية مع التوجهات الدستورية، التي تكرّس سمو حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليًا، وتدعو إلى اعتماد مقاربات إصلاحية شمولية في تدبير المؤسسات السجنية، تقوم على التأهيل وإعادة الإدماج، بدل الاقتصار على المقاربة الزجرية.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على بعدها الإنساني الرمزي، بل تمتد إلى آثارها العملية، حيث تُظهر التجارب المقارنة أن الحفاظ على الروابط الأسرية يسهم في تقليص حالات العود إلى الجريمة، ويعزز فرص الإدماج الاجتماعي بعد الإفراج، ما يجعلها استثمارًا وقائيًا في الأمن المجتمعي على المدى المتوسط والبعيد.
وعليه، فإن تمكين أحد السجناء من زيارة والدته في ظرف صحي حرج لا يمكن قراءته كاستثناء ظرفي، بل كمؤشر على نضج تدريجي في تدبير الشأن السجني، يضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، ويجعل من احترام الكرامة الإنسانية التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، منسجمًا مع المعايير الدولية ومقتضيات دولة الحق والقانون