السمارة : عوبا مولاي السالك
يُعدّ ملف الصحراء أحد أطول النزاعات في المنطقة المغاربية وأكثرها تعقيداً، وهو ملف لم تنجح الجهود الدولية في حسمه رغم مرور عقود من المفاوضات، وبينما يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي ذي مصداقية، تتمسك جبهة البوليساريو بخيار الاستفتاء الذي أثبتت التطورات السياسية والواقعية على الأرض محدودية إمكانية تطبيقه.
وبين هذين الطرحين، يبقى المواطن الصحراوي هو الأكثر حاجة لحل واقعي يضمن له الكرامة والاستقرار والتنمية،
مقترح الحكم الذاتي: رؤية مغربية منسجمة مع الواقع
منذ سنة 2007، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي موسع الصلاحيات تحت السيادة المغربية، وهو مقترح لقي إشادة واسعة من مجلس الأمن وعدد من القوى الدولية الكبرى، باعتباره حلاً جدياً وذا مصداقية، ويشكل أرضية عملية لإنهاء النزاع.
هذا المقترح يضمن للصحراويين تدبير شؤونهم بأنفسهم عبر مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية محلية، مع الحفاظ على رمزية الدولة وسيادتها، وفي السنوات الأخيرة، ازدادت الدينامية السياسية والدبلوماسية حول هذا المقترح، خاصة بعد فتح العديد من الدول لقنصلياتها في العيون والداخلة، مما يعكس قناعة دولية بأن هذا الخيار أصبح الأقرب للتطبيق.
بينما تستمر جبهة البوليساريو في الدفاع عن خيار الاستفتاء، رغم أن مجلس الأمن لم يعد يعتبره خياراً عملياً منذ سنوات، بسبب استحالة الاتفاق على لوائح الناخبين وتغير المعطيات الديمغرافية، ومع تزايد عودة أبناء المخيمات إلى المغرب، وضعف ظروف العيش في تندوف، أصبح واضحاً أن الخطاب السياسي للجبهة يعاني فجوة بين طموحات القيادة وواقع السكان.
رأي أبناء الصحراء: صوت من الميدان وليس من المخيمات
عبر زياراتي ولقاءاتي في مدن السمارة والعيون والداخلة وبوجدور، لاحظت قناعة راسخة لدى فئات واسعة من أبناء الصحراء بأن الحل السياسي الواقعي هو الذي يضمن الاستقرار والعيش الكريم، فالصحراويون اليوم يبحثون عن: تنمية اقتصادية حقيقية وفرص التشغيل ومشاركة سياسية و حماية الهوية والثقافة الحسانية، وإنهاء الشتات الذي فرّق العائلات بين الداخل والمخيمات، وأن الجيل الجديد من الصحراويين لم يعد يرغب في استمرار الصراع، بل يريد أن يرى حلاً ملموساً على الأرض، بعيداً عن الشعارات.
قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن: دعم للحل الواقعي وليس المتخيل منذ عدة سنوات، أصبحت قرارات مجلس الأمن – ومنها القرار 2602 وما بعده – تؤكد على ضرورة الوصول إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم، هذه اللغة لم تأتِ عبثاً، بل تعكس قناعة دولية بأن الحل لن يكون إلا عبر تفاوض مباشر وإبداعات سياسية جديدة، وليس عبر تكرار نفس الطروحات التقليدية.
كما أن الأمم المتحدة تشدد على دور “الطاولة المستديرة” وعلى مسؤولية جميع الأطراف، بما فيها الجزائر التي تعد طرفاً أساسياً في الملف، نحو حل توافقي ينهي الأزمة: رؤية شخصية
بصفتي كاتباً صحراوياً ينتمي لهذه الأرض ويعرف معاناة أهلها، أرى أن الحل لن يكون إلا عبر: قبول الحكم الذاتي كقاعدة للتفاوض مع تحسين بعض آلياته بما يضمن مشاركة أكبر للصحراويين في القرار.
وفتح قنوات التواصل مع شباب المخيمات وتمكينهم من الاندماج في مشاريع اقتصادية واجتماعية داخل المغرب،
دعم الجهات الجنوبية ببرامج تنموية خاصة تضمن التشغيل والعيش الكريم وتُشعر الجميع بثمار الاستقرار، إشراك شخصيات صحراوية مستقلة في مسار الحل، بعيداً عن الانتماءات الضيقة
المصالحة الاجتماعية بين جميع مكونات المجتمع الصحراوي، سواء في الداخل أو الخارج.
الخلاصة
إن أزمة الصحراء لن تُحل إلا إذا تحررنا من أسر الماضي، وقدمنا مصلحة الإنسان الصحراوي على كل حسابات سياسية أو إيديولوجية، الحكم الذاتي ليس تنازلاً، بل هو حل سياسي عقلاني يضمن سيادة الدولة ويمنح الصحراويين حقهم في تدبير شؤونهم وبناء مستقبلهم، ويضع نهاية لنزاع استنزف الطاقات وفرّق العائلات، لقد آن الأوان أن ننتقل جميعاً من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء المشترك، فالصحراء ليست أرضاً للخصام، بل فضاء للتعايش والنهضة والتنمية.