تجد الجزائر نفسها اليوم أمام منعطف دبلوماسي حاسم في ملف الصحراء المغربية، بعد سنوات من سياسة الإنكار والمراوحة التي لم تُنتج سوى مزيد من التوتر الإقليمي والعزلة السياسية، فالمعطيات المتداولة حول موافقة جزائرية مبدئية على الانخراط في مسار حوار مباشر مع المغرب، برعاية أمريكية، ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا قويًا على تآكل خطاب الرفض التقليدي أمام ضغط الواقع الدولي.
لقد أثبتت التطورات المتسارعة أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم تعد مجرد مقترح ضمن مقترحات، بل تحوّلت إلى المرجعية العملية الوحيدة التي تحظى بدعم دولي متزايد من قِبل قوى وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة دبلوماسية مغربية هادئة وفعّالة، اشتغلت بمنطق الحلول الواقعية بدل الشعارات المؤدلجة.
في المقابل، تبدو الجزائر وقد استنفدت أوراق المناورة. فالإصرار على إدامة نزاع مفتعل لم يعد مقنعًا لشركائها ولا مفيدًا لمصالحها الرسالة الأمريكية، كما نُقلت عبر مستشار الرئيس دونالد ترامب، كانت صريحة: التأجيل لم يعد خيارًا، واستقرار المنطقة يمرّ عبر حوار جدي ومسؤول، ينطلق من المعطيات الحالية لا من أوهام الماضي.
إن التحفظ الجزائري الأولي يعكس ارتباكًا أكثر مما يعكس موقف قوة فالإدارة الواقعية للملف تقتضي الاعتراف بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الأكثر جدية ومصداقية، وأن أي محاولة للالتفاف عليها لن تزيد إلا من تعميق عزلة الجزائر إقليميًا ودوليًا.
المغرب، من جهته، يدخل هذا المسار بثقة وثبات، مستندًا إلى شرعية سيادته وإجماع وطني ودعم دولي متنامٍ وهو ما يجعل الحوار، إن انطلق، اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الجزائر للانتقال من منطق العرقلة إلى منطق الحل.
الخلاصة واضحة: الزمن تغيّر، والمعادلات تبدّلت، ومن يرفض التكيّف مع الحقائق الجديدة سيجد نفسه خارج سياق التاريخ الصحراء مغربية، والحكم الذاتي هو سقف الحل، والحوار الجدي اليوم ليس انتصارًا للمغرب فقط، بل فرصة للجزائر كي تصحّح مسارًا طال أمده.