Take a fresh look at your lifestyle.

الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة

0

بقلم: بوشعيب حمراوي

ليس من قبيل المبالغة القول إن معركة الصحراء المغربية لم تعد تُخاض فقط في أروقة الدبلوماسية، ولا داخل دهاليز السياسة الدولية، بل أصبحت تُدار، وبقوة، داخل الفضاء الإعلامي. حيث تُصنع القناعات، وتُوجَّه الرؤى، وتُبنى صورة الأوطان.

في حاجة إلى دبلوماسية إعلامية يقودها إعلام الجنوب

في هذا السياق، يبرز الإعلام بالأقاليم الجنوبية للمملكة كخط دفاع أول، لا يقل أهمية عن الجبهة الدبلوماسية، بل قد يكون أكثر تأثيراً، لأنه يخاطب الإنسان مباشرة… بلغته، وبيئته، وواقعه اليومي. بل هو المنبع والمحرك الأول للدبلوماسية الإعلامية التي تعاني قصورا وتشتتا داخل المملكة. في انتظار أن تحظى بناية المجلس الوطني للصحافة (قصر الإعلام والصحافة)، بقانون تنظيمي في مستوى صاحبة الجلالة. وبتشكيلة قادرة عل ترسيخ أخلاقيات المهنة. وإنصاف رواد السلطة الرابعة. وإحداث منصة للدبلوماسية الإعلامية يقودها إعلام الجنوب المغربي.

إن هذا الإعلام، رغم أدواره الحيوية، يعيش وضعاً لا يرقى إلى حجم التحديات المطروحة. مؤسسات إعلامية تعاني من ضعف الموارد، صحفيون يشتغلون بإمكانيات محدودة، ومنابر تفتقد لأبسط شروط الاستمرارية والتطور. واقع لا يعكس إطلاقاً حجم الرهانات الوطنية المرتبطة بهذه الأقاليم، ولا المكانة الاستراتيجية التي تحتلها في الدفاع عن القضية الوطنية الأولى.

تقوية إعلام الجنوب استعدادا للحكم الذاتي

إن تقوية إعلام الجنوب لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية ملحة. ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، وتُحتمها التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، خاصة في ظل التقدم المتواصل الذي يحققه المقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره حلاً واقعياً وذا مصداقية.

لقد أصبح هذا المقترح، الذي حظي بدعم متزايد على المستوى الدولي، أرضية أساسية للنقاش داخل المنتظم الدولي، في إطار مسلسل أممي يدعو إلى مواصلة التفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي دائم ومتوافق عليه. وهو ما يعكس تحوّلاً نوعياً في التعاطي مع هذا النزاع المفتعل، ويؤكد أن المغرب لم يعد في موقع الدفاع، بل في موقع المبادرة.

غير أن هذا التقدم السياسي والدبلوماسي يحتاج إلى سند إعلامي قوي، قادر على تبسيط مضامين الحكم الذاتي، وشرح أهدافه، وتقريب فلسفته من عموم المغاربة، داخل وخارج الأقاليم الجنوبية. فالحكم الذاتي ليس مجرد مشروع سياسي، بل هو ورش وطني كبير، يتطلب انخراطاً مجتمعياً واسعاً، ووعياً جماعياً بمضامينه وأبعاده.

إن تنزيل هذا المشروع، حين يرى النور، لن يكون مجرد إجراء إداري أو قانوني، بل سيستوجب تعديلات عميقة في بنية الدولة، تشمل الدستور، والقوانين المنظمة للسلطات، وأنماط التدبير الترابي، وأدوار المؤسسات المنتخبة، وكذا قواعد اشتغال الأحزاب والنقابات. وهو ما يجعل من الضروري إعداد الأرضية المجتمعية لاستقباله، عبر إعلام واعٍ، مسؤول، ومؤهل.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو جعل الإعلام بالأقاليم الجنوبية إعلاماً قوياً، مهنياً، ومؤثراً. إعلاماً يمتلك الوسائل والتجهيزات، ويستفيد من برامج تكوين مستمر، ويحظى بدعم مالي يضمن استمراريته واستقلاليته. إعلاماً يُمكن الصحفي من الوصول إلى المعلومة بسهولة، ويمنحه شروط العمل الميداني الكريم.

كما أن هذا الإعلام مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بإبراز المؤهلات الحقيقية للجنوب المغربي: تاريخه العريق، تراثه الغني، موارده البشرية المؤهلة، ومشاريعه التنموية الكبرى التي غيرت ملامح المنطقة، وتلك التي هي في طور الإنجاز أو في الأفق. فالتنمية، في نهاية المطاف، هي أقوى حجة، وأبلغ رد على كل الأطروحات المغرضة.

لكن الأهم من كل ذلك، هو أن يتحول الإعلام إلى جسر يربط بين مختلف مكونات الشعب المغربي، ويُقرب الجميع من مفهوم الحكم الذاتي، ويجعلهم شركاء في فهمه واستيعابه والدفاع عنه. لأن هذا المشروع، في جوهره، ليس مشروع جهة دون أخرى، بل هو مشروع وطن بأكمله.

إن تقريب المغاربة من الحكم الذاتي، قبل تنزيله، هو الضمانة الحقيقية لنجاحه. والإعلام، إذا ما توفرت له الشروط، هو الأداة الأنجع لتحقيق ذلك.

إعلام القرب: الصحفي هو نبض الأرض وصوت الإنسان

ليس الإعلام مجرد مهنة لنقل الأخبار، ولا مجرد وسيلة لملء الفراغات بالمعطيات والتقارير، بل هو في عمقه فعل انتماء، وموقف مسؤول، ورسالة تتجاوز الورق والشاشة لتلامس حياة الناس في تفاصيلها الدقيقة. ومن هنا، يبرز إعلام القرب، ويعلو دور الصحفي ابن المنطقة، باعتباره الأقدر على فك شيفرات المكان، واستنطاق ذاكرته، واستكشاف ثرواته الظاهرة والخفية.

إن الصحفي الذي وُلد من رحم المنطقة، وتشرّب هواءها، وسار في دروبها، واحتكّ بأهلها، لا يحتاج إلى وسيط لفهمها، ولا إلى ترجمة لمعاناة سكانها. فهو يعرف تضاريسها كما يعرف كفّ يده، ويدرك ما تختزنه من موارد طبيعية، وما تزخر به من طاقات بشرية، وما تعانيه من اختلالات أو تهميش. لذلك، يصبح قادراً على الغوص عميقاً في هوية المكان، لا بوصفها معطى جغرافياً، بل ككائن حي ينبض بالتاريخ والثقافة والرهانات المستقبلية.

هذا الصحفي، حين يمارس عمله، لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد تشكيله في قالب يخدم التنمية، ويحفّز الاستثمار، ويُبرز المؤهلات، ويكشف مواطن الخلل. إنه يوظف كل الأجناس الصحفية—من الخبر إلى التحقيق، ومن الروبورتاج إلى المقال التحليلي—ليصنع صورة متكاملة عن منطقته، صورة قادرة على جذب الانتباه، وإقناع الفاعلين، وتحريك عجلة التغيير.

وما يميّز إعلام القرب أيضاً، هو تلك العلاقة المباشرة والصادقة مع الإنسان والطبيعة. فالصحفي هنا لا يشتغل من خلف مكتب معزول، بل من قلب الميدان، حيث يلتقي بالفلاح، والصياد، والعامل، والتلميذ، والمرأة القروية… يستمع إليهم، ينقل أصواتهم كما هي، دون تحريف أو تزييف، ويحوّل معاناتهم إلى قضايا رأي عام، ومطالبهم إلى ملفات قابلة للنقاش والمعالجة.

ولعل أهم ما يضطلع به هذا الإعلام، هو قدرته على بناء الثقة. فحين يتحدث الصحفي بلغة الناس، ومن داخل واقعهم، يصبح وسيطاً مقبولاً، بل محفّزاً على الانخراط. يستطيع أن يقنع السكان بأهمية المبادرات الجديدة، وأن يدفعهم إلى التفاعل معها، وأن يحوّلهم من متفرجين إلى شركاء في التنمية. وهنا يتحول الإعلام من مجرد ناقل إلى فاعل حقيقي في صناعة التغيير.

أما في الأقاليم الجنوبية المغربية، حيث تتقاطع الرهانات التنموية مع التحديات السياسية، فإن دور إعلام القرب يكتسب بعداً إضافياً. فهو ليس فقط أداة للتعريف بالمؤهلات، بل أيضاً جدار صدّ في وجه حملات التضليل، ومنبر للدفاع عن القضايا الوطنية، وفي مقدمتها الوحدة الترابية. إن الصحفي ابن المنطقة، بما يحمله من صدق الانتماء، هو الأقدر على تفكيك خطابات الخصوم، وكشف زيف الادعاءات، والتصدي لكل من يحاول المساس بثوابت الوطن.

وفي هذا السياق، يصبح الإعلام الجهوي والجنوب على وجه الخصوص، مسؤولاً عن تعزيز الروابط المتينة بين مختلف مكونات الشعب المغربي، وبين الشعب ومؤسساته، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية. فهو إعلام لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يساهم في ترسيخ قيم المواطنة، وتقوية الشعور بالانتماء، وبناء جسور الثقة بين المركز والهامش.

غير أن هذا الدور الحيوي، يظل رهيناً بتوفر شروط أساسية: التكوين الجيد، والاستقلالية المهنية، والدعم المؤسساتي، والانخراط الحقيقي في قضايا المجتمع. فإعلام القرب، إذا لم يُحمَ من التبعية والارتجال، قد يتحول إلى أداة للتضليل بدل التنوير، وإلى عبء بدل أن يكون رافعة للتنمية.

في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو أن نؤمن بأن لكل منطقة صوتاً، وأن هذا الصوت لا يمكن أن يُنقل بصدق إلا عبر أبنائها. وحين يُمنح الصحفي ابن المنطقة الإمكانيات والثقة، فإنه لا يكتب فقط عن المكان… بل يكتب به، ومنه، وله… ليجعل منه حكاية تستحق أن تُروى، ومستقبلاً يستحق أن يُبنى.

فهل نملك اليوم الجرأة الكافية للاستثمار في إعلام الجنوب… بنفس القوة التي نستثمر بها في الدفاع عن قضيتنا الوطنية؟

ذلك هو السؤال… وتلك هي البداية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.