Take a fresh look at your lifestyle.

الانتخابات المقبلة في الأقاليم الجنوبية… حين تتحول نسبة المشاركة إلى رسالة سيادة ورافعة للحكم الذاتي..

0

الحافظ ملعين ـ العيون 

تشكل الانتخابات التشريعية في المغرب محطة دورية لتجديد النخب، أو تجديد الثقة فيها، أو إعادة توزيع المقاعد داخل قبة البرلمان. لكنها، في عمقها، تظل اختبارا حقيقيا لمدى حيوية المجتمع، ومؤشرا دقيقا على درجة انخراط المواطن في صياغة مستقبله السياسي.

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، يطفو على السطح سؤال مركزي: كيف يمكن تحويل نسبة المشاركة إلى رافعة سياسية ديمقراطية تخدم مشروع الحكم الذاتي، باعتباره الحل الواقعي لإنهاء مشكل مفتعل امتد لأكثر من خمسة عقود؟ لقد أبانت التجارب الانتخابية السابقة، خاصة في الأقاليم الجنوبية، عن خصوصية لافتة في سلوك الناخب، حيث ظلت نسب المشاركة مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني.

ففي مدينة العيون، على سبيل المثال، تجاوزت نسبة المشاركة في انتخابات 8 شتنبر 2021 عتبة 66 في المائة، وهو رقم لا يمكن قراءته فقط بمنطق الأرقام، بل باعتباره تعبيرا صريحا عن وعي جماعي متجذر، يربط بين الفعل الانتخابي والانتماء الوطني، هذه الدينامية الانتخابية لا تنفصل عن السياق السياسي العام، حيث تشكل الأقاليم الجنوبية واجهة استراتيجية لمشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية كحل واقعي وذي مصداقية.

ومن هنا، تصبح صناديق الاقتراع أكثر من مجرد آلية ديمقراطية، إنها وسيلة لإيصال رسالة واضحة إلى المنتظم الدولي، مفادها أن ساكنة هذه الأقاليم تمارس حقوقها السياسية بكل حرية، وتشارك بكثافة في بناء المؤسسات، إن ارتفاع نسب المشاركة في جهة العيون الساقية الحمراء، التي سجلت حوالي 66,94 في المائة، وكذا في جهتي الداخلة وادي الذهب وكلميم واد نون، يعكس تحولا نوعيا في الوعي المحلي، حيث لم يعد التصويت مجرد واجب مدني، بل أصبح تعبيرا عن تمسك قوي بالوحدة الترابية، وانخراطا فعليا في الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها المنطقة.

غير أن هذا الزخم الانتخابي، رغم أهميته، لا يمكن أن يستمر بشكل تلقائي أو عفوي، بل يحتاج إلى تأطير مسبق، وإلى مجهود جماعي تشارك فيه مختلف الفاعلين، فرفع نسبة المشاركة لم يعد مسؤولية الدولة وحدها، بل أصبح رهانا مشتركا بين المترشحين، والأحزاب السياسية، والسلطات المحلية، وكذا البنيات الاجتماعية التقليدية، وعلى رأسها القبائل الصحراوية التي لا يزال لها دور محوري في التعبئة السياسية.

فالقبيلة، باعتبارها مكونا سوسيولوجيا فاعلا، تظل إحدى القنوات الأساسية لتوجيه السلوك الانتخابي، ليس فقط من باب الانتماء، بل أيضا من خلال منطق التضامن والتكافل. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يجب أن يتكامل مع خطاب سياسي حديث، قادر على إقناع الناخب بجدوى البرامج الانتخابية، وليس فقط بالأسماء أو الامتدادات الاجتماعية.

ومن هنا، تبرز مسؤولية المترشحين في تقديم برامج واقعية تستجيب لتطلعات الساكنة، وتلامس قضاياها اليومية، سواء تعلق الأمر بالتشغيل، أو التعليم، أو الصحة، أو التنمية الاقتصادية. فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن رؤية واضحة، ومشاريع قابلة للتنفيذ، ومصداقية في الخطاب والممارسة.

كما أن التأطير المسبق للناخبين يظل ضرورة ملحة، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع، حيث أصبح الوعي السياسي أكثر تعقيدا، والتأثيرات الخارجية أكثر حضورا. ومن هنا، فإن ترسيخ فكرة أن “الصوت أمانة” يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية، يتم تعزيزها عبر المدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني.

وفي هذا السياق، تلعب وسائل الإعلام دورا محوريا في مواكبة العملية الانتخابية، ليس فقط من خلال نقل الأخبار، بل أيضا عبر تحليل البرامج، ومساءلة المرشحين، وتوعية المواطنين بأهمية المشاركة. فالإعلام المسؤول هو الذي يساهم في رفع منسوب النقاش العمومي، ويشجع على الاختيار الواعي، بدل الانسياق وراء الخطابات الشعبوية.

ولا يمكن إغفال البعد الدولي لهذه المشاركة المكثفة، حيث تتابع العديد من الهيئات والمنظمات الدولية مجريات الانتخابات في الأقاليم الجنوبية، باعتبارها مؤشرا على مدى احترام المعايير الديمقراطية. وكلما ارتفعت نسبة المشاركة، تعززت صورة المغرب كدولة تحترم التعددية، وتوفر فضاء سياسيا مفتوحا لجميع مكوناتها.

إن الانتخابات، في نهاية المطاف، ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لإقامة مؤسسات قوية وذات مصداقية. وقوة هذه المؤسسات لا تقاس فقط بعدد المقاعد، بل بمدى تمثيليتها الحقيقية، وقدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين، والمساهمة في تنزيل الأوراش الكبرى، وعلى رأسها مشروع الحكم الذاتي.

وعليه، فإن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات في موعدها الدستوري، بل في جعلها لحظة سياسية فارقة، تعكس نضج التجربة الديمقراطية المغربية، وتؤكد أن الأقاليم الجنوبية ليست فقط مجالا جغرافيا، بل فضاء سياسيا حيويا يساهم بفعالية في رسم معالم المستقبل.

إن رفع نسبة المشاركة في جهة العيون الساقية الحمراء وباقي الأقاليم الجنوبية أصبح ضرورة استراتيجية، تتطلب تعبئة جماعية، ورؤية واضحة، وإرادة سياسية صادقة. فحين يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، فإنه لا يختار فقط ممثليه، بل يشارك في كتابة رسالة وطنية موجهة إلى الداخل والخارج، مفادها أن الديمقراطية في المغرب ليست شعارا، بل ممارسة يومية متجذرة في وجدان شعبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.