Take a fresh look at your lifestyle.

البعد الدستوري لمنظومة العقوبات البديلة وتحديث السياسة العقابية

0

محمد أيوب حربيلي: باحث في القانون الدستوري 

يعتبر إقرار العقوبات البديلة من أبرز التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية المعاصرة الرامية للحد من مساوئ العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، حيث جاء تبني هذه المنظومة في السياق الوطني استجابة فعلية للتوجيهات الملكية السامية والتي تهم تحديث المنظومة القانونية ولاسيما ما يتعلق منها بمجال الأعمال والاستثمار، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يتطلب نهج سياسة جنائية جديدة، تقوم على مراجعة وملاءمة القانون والمسطرة الجنائية، ومواكبتهما للتطورات، بإحداث مرصد وطني للإجرام، وذلك في تناسق مع مواصلة تأهيل المؤسسات الإصلاحية والسجنية، وبموازاة ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة، وتماشيا مع الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة العدالة وتطوير السياسة العقابية.

إن هذا التحول التشريعي يجد سنده المتين في أحكام دستور 2011 الذي أكد في ديباجته على التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، حيث كرس الفصل 23 منه حق المعتقل في التمتع بظروف اعتقال إنسانية والاستفادة من برامج التكوين وإعادة الإدماج، كما تشكل تجسيدا عمليا للوظيفة الدستورية الموكولة للقاضي في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي مما يجعل من العملية العقابية وسيلة للإصلاح والتأهيل لا لمجرد الزجر وذلك في تناغم تام مع روح الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية.

وعلى هدي هذه المبادئ الدستورية، عمل القانون المتعلق بالعقوبات البديلة على وضع إطار مفاهيمي دقيق حيث عرفها بأنها العقوبات التي يحكم بها بديل للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز خمس سنوات حبسا نافذا، كما شملت هذه المنظومة بدائل جديدة للعقوبات الحبسية، تتجلى أساسا في العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية وتقييد بعض الحقوق، أو فرض تدابير رقابية وعلاجية وتأهيلية إضافة إلى الغرامة اليومية، وكل ذلك بهدف تطوير المنظومة العقابية وتوجيهها نحو تحقيق غاية إصلاح المحكوم عليه وضمان إبقائه داخل وسطه الاجتماعي والأسري.

وإضافة على ما تقدم، فإن تفعيل هذه المنظومة يتطلب تظافر جهود مختلف المتدخلين من خلال تأهيل الموارد البشرية والتنسيق الفعال بين قضاة الحكم وتطبيق العقوبات والنيابة العامة، فضلا عن انفتاح السلطة القضائية على الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني، كما أن ضمان نجاعة هذه السياسة يقتضي استحضار الجوانب الثقافية والاجتماعية المتعلقة بتمثلات المجتمع لمفهوم العقاب، مع تعبئة الموارد المالية واللوجيستية اللازمة، لضمان انتقال حقيقي نحو سياسة عقابية حديثة تزاوج بين متطلبات الردع الجنائي وضمانات الإدماج المهني والاجتماعي للمحكوم عليهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.